ابن عربي
41
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وعضل وعظم ، استوى السر الإلهي الساري فيه ، فنفخ النفخ الروحي إلى العالم العلوي من البدن ، وهو بخارات تصعد كالدخان ، فتق فيها سبع سماوات : السماء الدنيا وهي الحس ، وزينها بالنجوم والمصابيح مثل العينين ، وسماء الخيال ، وسماء الفكر ، وسماء العقل ، وسماء الذكر ، وسماء الحفظ ، وسماء الوهم ، وأوحى في كل سماء أمرها ، وهو ما أودع في الحس من إدراك المحسوسات - ولا نتعرض للكيفية في ذلك للخلاف الواقع فيها ، وإن كنا نعلم ذلك فإن علمنا لا يرفع الخلاف من العالم - وفي الخيال من متخيلات المستحيلات ، وفي العقل من المعقولات ، وهكذا في كل سماء ما يشاكلها من جنسها ، فإن أهل كل سماء مخلوقون منها ، فهم بحسب مزاج أماكنهم ، وخلق في كل سماء من هذه السبعة كوكبا سابحا في مقابلة الكواكب السيارة ، تسمى صفات ، وهي الحياة والسمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم ، كل يجري إلى أجل مسمى ، فلا تدرك قوة إلا ما خلقت له خاصة ، فالبصر لا يرى سوى المحسوسات المبصرات ، وينحسر فينقلب خاسئا ، فإنه لا يجد قطرا ينفذ فيه ، والعقل يثبت هذا كله ، يشهد بذلك الحركات الفلكية التي في الإنسان ، وذلك بتقدير العزيز العليم . [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 13 ] فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) جاء الجبار من رؤساء الجاهلية إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له : يا محمد أتل علي مما جئت به حتى أسمع ؛ فتلا عليه حم السجدة ، فلما وصل إلى قوله تعالى : « فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ » وهما من العرب وحديثهما مشهور عندهم بالحجاز ، فلما سمع هذه الآية ارتعدت فرائصه واصفر لونه وضرط من شدة ما سمع ومعرفته بذلك ، وقال : هذا كلام جبار . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 14 إلى 17 ] إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 14 ) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 15 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 ) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 )